الوسطى

نورا.. طفلة غزّة التي وُلدت بلا كفّين بعد 4 سنوات من انتظار الأمومة

والدة نورا تربط تشوّهها بظروف الحرب وسوء التغذية. تقرير صحي يرصد ارتفاع الإجهاض والتشوّهات الخلقية وانخفاض المواليد في القطاع بنسبة 67%.

ه
هبة البنا
نورا.. طفلة غزّة التي وُلدت بلا كفّين بعد 4 سنوات من انتظار الأمومة

من قلب مخيم البريج وسط قطاع غزة، تتجسد مأساة الأمهات في قصة الطفلة نورا عبد الجواد، التي وُلدت قبل نحو 28 يومًا من دون أطراف علوية، لتتحول فرحة انتظرتها والدتها أربع سنوات إلى صدمة تختلط فيها مشاعر الأمومة بالخوف على مستقبل طفلتها، وسط ظروف الحرب والحصار وتدهور الأوضاع الصحية والمعيشية.

تروي فائقة العريدي، والدة نورا، أنها انتظرت سنوات حتى رُزقت بطفلتها بعد محاولات متكررة للإنجاب استمرت نحو أربعة أعوام، لكنها لم تتمكن من عيش فرحتها كاملة، بعدما اكتشفت أن مولودتها تعاني تشوهًا خلقيًا يتمثل في غياب الأطراف العلوية واليدين.

وتربط الأم، استنادًا إلى ما نقلته عن الأطباء، حالة طفلتها بالظروف القاسية التي عاشتها خلال الحمل، في ظل نقص الأغذية الغنية بالفيتامينات والمكملات الضرورية، إلى جانب الغبار المتصاعد من القصف المتكرر، والمخاوف من التعرض لمواد ملوثة في البيئة المحيطة.

وبينما تحاول الأم استيعاب واقع طفلتها، تتوجه بنداء إلى العالم لوقف الحرب وإنهاء معاناة سكان القطاع، قائلة: «رسالتي للعالم.. خلص بكفي، تعبنا من الحرب وتعبنا من اللي بصير!».

أرقام تكشف تدهور الصحة الإنجابية

ولا تبدو مأساة نورا حالة معزولة عن واقع أوسع يواجه النساء الحوامل في قطاع غزة، إذ تشير بيانات وتقارير صحية إلى ارتفاع حالات الإجهاض والولادة المبكرة والتشوهات الخلقية، بالتزامن مع انهيار الخدمات الطبية وتفاقم سوء التغذية ونقص المياه النظيفة.

ووفق تقرير لوزارة الصحة في غزة، وثّق 460 حالة إجهاض لكل ألف مولود خلال أبريل/نيسان 2026، مقارنة بنحو 140 حالة لكل ألف مولود حي قبل الحرب، في مؤشر على التدهور الحاد الذي أصاب الصحة الإنجابية في القطاع.

وحمل التقرير، الذي تناول تداعيات الحرب بين يناير/كانون الثاني 2025 وأبريل/نيسان 2026، مؤشرات مقلقة بشأن صحة الأمهات والأجنة، إذ بلغ متوسط انتشار فقر الدم بين النساء الحوامل 57%، بما يعكس حجم الأزمة الغذائية والصحية التي تواجهها الحوامل. ك ما سجلت البيانات تراجعًا في عدد المواليد من 6076 مولودًا في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 إلى 2004 مواليد في أبريل/نيسان 2026، بانخفاض يقارب 67%، إلى جانب رصد 385 حالة تشوه خلقي لدى الأجنة.

وربط التقرير هذه المؤشرات بمجموعة من العوامل المرتبطة بظروف الحرب، بينها التجويع والنزوح في الخيام وتلوث مصادر المياه وتدهور الرعاية الصحية، محذرًا من استمرار ارتفاع مخاطر الإجهاض ومضاعفات الحمل.

وعلى المستوى الدولي، نقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية عن تقريرين أعدتهما منظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان»، بالتعاون مع قسم حقوق الإنسان العالمية في كلية الحقوق بجامعة شيكاغو، أن معدلات الولادة في غزة تراجعت بنسبة 41%، بالتزامن مع الانهيار الواسع لخدمات الرعاية الصحية الإنجابية.

وبحسب البيانات التي وثّقتها التقارير بين يناير/كانون الثاني ويونيو/حزيران 2025، سُجلت نحو 2600 حالة إجهاض، و220 وفاة مرتبطة بالحمل، و1460 ولادة مبكرة، وأكثر من 1700 مولود ناقص الوزن، إضافة إلى 2500 رضيع احتاجوا إلى رعاية مكثفة في الحضانات.

كما وثّقت التقارير استهداف مركز «البسمة» للإخصاب المخبري في ديسمبر/كانون الأول 2023، ما أدى إلى تدمير نحو خمسة آلاف عينة مخبرية للأجنة، وتعطيل عمليات الإخصاب المساعد التي كانت تمنح عشرات الأسر فرصة الإنجاب.

ووصفت التقارير ما تتعرض له النساء الفلسطينيات بأنه «عنف إنجابي» ممنهج، معتبرة أن تدمير البنية الصحية المخصصة للحمل والولادة والإنجاب، وما ترتب عليه من خسائر بشرية، يستدعي المساءلة وفق القانون الدولي.

بيانات رسمية توثق حجم الخسائر

من جهته، قال مدير قسم المعلومات في وزارة الصحة بغزة، زاهر الوحيدي، إن عام 2025 شهد تسجيل 48,500 حالة ولادة نتج عنها 49,180 مولودًا، بينهم 4900 طفل بأوزان غير طبيعية، و4000 ولادة مبكرة، و315 طفلًا بتشوهات خلقية شملت القلب والمثانة وأعضاء أخرى.

وأضاف أن البيانات سجلت 616 حالة وفاة داخل الرحم، و5000 حالة إجهاض قبل الأسبوع الرابع والعشرين من الحمل، إلى جانب وفاة 450 طفلًا خلال الأسبوع الأول بعد الولادة لأسباب مختلفة.

وأشار الوحيدي إلى ارتفاع معدلات التشوهات الخلقية والولادات المبكرة بأكثر من 60% مقارنة بالمعدلات الطبيعية، عازيًا ذلك إلى تداعيات الحرب، وسوء التغذية، والتعرض لغبار وبارود الصواريخ، فضلًا عن تلوث البيئة وانتشار مياه الصرف الصحي وانعدام النظافة في مخيمات النزوح.

وتسلط هذه الأرقام الضوء على الأعباء المتراكمة التي تواجه النساء والأطفال في غزة، حيث لا تقتصر آثار الحرب على الإصابات المباشرة والدمار، بل تمتد إلى الحمل والولادة وصحة الأجيال الجديدة، في ظل منظومة صحية تعاني نقص الإمكانات وتراجع قدرتها على توفير الرعاية اللازمة.