أزمة "الكاش" تضيق الخناق على رقاب الغزيين.. ابتزازات إسرائيلية وجشع "تجار الأزمات"
احتجاز رؤوس الأموال ورفض النقد الورقي يفرضان عمولات تصل إلى 50% على الغزيين، فيما يقترح خبراء إلزام التجار بقبول 20% من المعاملات كاشاً لتحريك السوق.

تتسع رقعة الخناق الاقتصادي في قطاع غزة مع تفاقم أزمة السيولة النقدية وشللها الميداني، إذ تتركز لدى فئة محدودة من كبار التجار وأصحاب رؤوس الأموال، وسط امتناع متزايد من بعضهم عن قبول النقد الورقي "الكاش"، مما يضاعف الأعباء المعيشية على الأهالي.
هذا التحول القسري في التعامل المالي فرض واقعاً استغلالياً، حيث يُجبر المستهلك على دفع عمولات تتراوح بين 10% و50% لوكلاء وتجار مقابل تحويل أموالهم الورقية إلى أرصدة إلكترونية، أو قبول أوراق نقدية اهترأت بفعل عدم دخول أي كتلة مالية جديدة إلى القطاع منذ بدء حرب الإبادة.
ويكشف القائم بأعمال الغرفة التجارية في قطاع غزة، رياض السوافيري، عن احتجاز ما بين 400 و500 مليون شيكل خارج التداول اليومي، مُحذرًا من تداعيات تركز هذه الكتلة النقدية لدى فئة قليلة من أصحاب رؤوس الأموال بدلاً من سريانها في الأسواق.
ويوضح السوافيري أن الكتلة النقدية الموجودة بالقطاع لم تغادره منذ 23 أكتوبر/تشرين الأول، مشيراً إلى أن المعضلة تكمن في شلل حركة النقد.
ويقترح السوافيري إلزام التجار بالتعامل النقدي بالحد الأدنى، عبر تخصيص 20% من المعاملات التجارية للدفع النقدي وفق جداول منظمة بما يُسهم في تحريك السيولة.
ويعلل ذلك بأن المستوردين يعتمدون على التحويلات المصرفية لتغطية رؤوس الأموال وتكاليف الاستيراد، بينما يمكنهم تحصيل الأرباح نقدًا وإعادة ضخها بالأسواق.
كما يلفت إلى إمكانية تنشيط الدورة النقدية من خلال جمع الفئات النقدية الصغيرة، كفئة الـ 10 شواكل، وإيداعها في المصارف لإعادة تداولها.
من جانبه، يصف المختص بالشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر هذا التحول بأنه واحد من أغرب انعكاسات أزمة السيولة وأكثرها تعقيداً.
ويوضح أبو قمر فبعد أن كان الحصول على الكاش مكلفاً ونادراً، أصبح جزء من حاملي النقد الورقي اليوم يدفعون عمولات مالية تتراوح نسبتها بين 3% وقد تصل إلى 10% (اعتماداً على حالة الورقة النقدية ومدى قبولها في السوق) بهدف تحويلها إلى رصيد بنكي أو محفظة رقمية، في عملية باتت تُعرف اصطلاحاً بالترصيد".
ويبيّن أبو قمر أن السوق المحلي بات يخضع لآلية تسعير مستحدثة للسيولة لا تستند إلى قيمتها الاسمية فحسب، بل إلى جودتها المادية ومدى سهولة تمريرها؛ فكلما ازدادت صعوبة تمرير الورقة النقدية ورفضُها من التجار، ارتفعت الكلفة المالية المطلوبة لنقلها إلى صيغة إلكترونية أكثر قبولاً.
ويؤكد أبو قمر أن أصل المشكلة يكمن في الكلفة الباهظة المفروضة على التنقل بين النقد الورقي والدفع الرقمي، والتي يتحمل المواطن البسيط وزرها الأكبر.
ويحذر من أن امتناع بعض التجار عن قبول الكاش يحرم أسراً مكلومة من شراء احتياجاتها الأساسية كالخبز والخضراوات والدواء رغم حيازتها أموالاً نقدية، في وقت لا تتوافر فيه وسائل الدفع الإلكتروني للجميع.
ويختم أبو قمر بالتحذير من أن استمرار هذه الممارسات في ظل ضعف الرقابة واضطراب الأسواق قد يفاقم الفوضى في التعاملات التجارية ويفتح المجال أمام التلاعب بالأسعار وشروط البيع، داعياً الجهات المختصة إلى تحرك عاجل لحماية حقوق المواطنين، ومتابعة الشكاوى، وضمان عدم استغلال الأزمة النقدية لفرض أعباء إضافية على الأسر التي تعاني أصلاً من ظروف معيشية قاسية.
رفض "الكاش" يمس بصمود المواطنين
بدوره، أدان تحالف منظمات المجتمع المدني الفلسطيني، اليوم الأحد، رفض قبول النقد الورقي من المواطنين في المعاملات اليومية، مطالباً بتدخل حكومي ورسمي عاجل للحد من هذه الممارسات.
وأوضح التحالف، في بيان له، اليوم الأحد، أن التعامل النقدي لا يزال الركيزة الأساسية لإجراء المعاملات المعيشية لقطاعات واسعة من أبناء شعبنا، لاسيما الفئات الأكثر هشاشة كالأسر الفقيرة، والنازحين، وكبار السن، وأولئك الذين لا يملكون حسابات مصرفية أو وسائل دفع إلكترونية متاحة.
وأكد أن فرض وسائل دفع بديلة أو رفض "الكاش" بصورة تعسفية يحد من قدرة المواطنين على تأمين احتياجاتهم الأساسية ويزيد من أعبائهم.
وطالب التحالف الجهات المختصة باتخاذ إجراءات قانونية ورقابية حازمة بحق المخالفين للتشريعات والتعليمات النافذة، داعياً كلاً من وزارة المالية برام الله، وسلطة النقد، والمصارف، والغرف التجارية، إلى اتخاذ موقف واضح ينظم القواعد الناظمة لقبول النقد ووسائل الدفع، ووضع آليات فعالة معالجة شكاوى المواطنين.
وشدد التحالف على ضرورة تكثيف الرقابة الميدانية على الأسواق للتحقق من الشكاوى، محذراً من أن هذه الممارسات تضر بصمود الشارع وتفاقم معاناته.
وأكد أن حماية المواطن في معاملاته اليومية هي مسؤولية قانونية ومجتمعية لا غنى عنها لتعزيز صمود الجبهة الداخلية في وجه سياسات الاحتلال.
وتتقاطع أزمة "الكاش" مع تعقيدات متصاعدة على المعابر، إذ أقدم الاحتلال الإسرائيلي على وقف التنسيقات التجارية بدعوى رفض فرض رسوم مالية على الشاحنات، وهي ادعاءات نفتها وزارة الاقتصاد.
وفنّد المكتب الإعلامي الحكومي في القطاع، الخميس، مزاعم وأكاذيب ما يُسمى "منسق الأنشطة الحكومية الإسرائيلية"، مؤكداً أنها تأتي في إطار حملة تضليل سافرة تهدف إلى تبرير سياسات الحصار والتجويع المستمرة ضد القطاع.
وأوضح الإعلامي الحكومي، في بيان صحفي، أن الاحتلال يحاول اختلاق روايات باطلة حول آليات تنظيم الحركة التجارية ودخول البضائع، مروّجاً ادعاءات كاذبة حول فرض مبالغ مالية بالقوة على التجار وتشويه إجراءات التداول النقدي، للتهرب من الاستحقاقات الإنسانية وتبرير فرض قيود جديدة.
وكشف البيان عن توجيه رسائل ومخاطبات رسمية عاجلة إلى الوسطاء في مصر وقطر وتركيا، إضافة إلى القائم بأعمال المنسق الخاص لعملية السلام راميز الأكبروف، ومدير مجلس السلام نيكولاي ملادينوف، والمفوض العام للجنة الوطنية لإدارة غزة علي شعث؛ لوضعهم في صورة الحقائق الدامغة.
وأكد البيان نفياً قاطعاً لفرض أي ضرائب أو رسوم حكومية على الشاحنات التجارية طوال السنوات الثلاث الماضية مراعاةً للظروف الاستثنائية.
وأوضح أن مبلغ 10,000 شيكل المثار من قبل الاحتلال يتعلق بـ "مبادرة مجتمعية اختيارية" يشارك فيها رجال أعمال لصندوق وطني تُوجَّه موارده بالكامل لدعم الفئات الأكثر هشاشة، ومشاريع الإيواء والصرف الصحي والإغاثة.
وبين أن الإجراءات المتعلقة بالتعاملات النقدية بنسبة 30% جاءت بالتوافق التام مع الغرفة التجارية لمعالجة النقص الشديد في السيولة والأوراق النقدية المهترئة، وليس كقرار أحادي أو للسيطرة على الأموال كما يزعم الاحتلال.
وشدد على التزامه بتطبيق القانون ومكافحة احتكار السلع والتلاعب بالأسعار، مشيرًا إلى أن أي إجراءات اتُخذت بحق بعض التجار تستند حصراً إلى شبهات قانونية ومخالفات تتعلق بالكسب غير المشروع، وخاضعة للأصول القضائية.
كما أكد البيان أن الأولوية القصوى هي التدفق المنتظم للبضائع وفق تفاهمات مسار شرم الشيخ، والتي تُلزم حكومة الاحتلال بإدخال 600 شاحنة يومياً، رافضاً أي محاولات لربط هذا الالتزام بادعاءات واهية أو تحميل الجهات الحكومية مسؤولية التعطيل.
ودعا الجهات الدولية والأممية والوسطاء إلى الحذر من تبني روايات الاحتلال المضللة، ومضاعفة الضغط الفعلي لإلزامه بفتح المعابر وإدخال المساعدات والإمدادات دون أية قيود أو ابتزاز.