الوسطى

هندسة التجويع في غزة.. سياسةٌ إبادية تتجاوز الحرمان من الطعام

تقييد دخول 200 شاحنة يومياً وتقليص مساعدات الأغذية العالمي يوسع رقعة الجوع، ما أدى لوفاة 466 فلسطينياً منهم 157 طفلاً جراء سوء التغذية.

س
سلمى أحمد
هندسة التجويع في غزة.. سياسةٌ إبادية تتجاوز الحرمان من الطعام

يعود مصطلح "هندسة التجويع" في قطاع غزة إلى الظهور مرة أخرى، وهو الذي لا يطيل غيابه بفعل سياسات الاحتلال المتصاعدة في منع دخول الغذاء والمياه والوقود والدواء، لتحويل الجوع إلى سلاح سياسي وعسكري لكسر إرادة المدنيين وإخضاعهم.

وخلال الساعات الماضية، تصدّرت مواقع التواصل الاجتماعي في الحديث حول "هندسة التجويع"، بعد إعلان برنامج الأغذية العالمي تقليص مساعداته بدعوى نقص التمويل، فضلا عن استمرار قيود الاحتلال الإسرائيلي المفروضة على دخول المساعدات الإغاثية والتحكم في حركة المعابر وأعداد الشاحنات المسموح لها بالوصول إلى القطاع، الأمر الذي ينذر بتوسيع رقعة الجوع وسوء التغذية في غزة.

ولا تخفى بداية المجاعة من على أجساد الأطفال النحيلة الذين أصابتهم الأمراض جراء نقص المناعة وسوء التغذية خاصة مع اعتماد الكثير من العائلات على تكايا الطعام الذي يفتقد العناصر الغذائية اللازمة لأجساد الأطفال، سواء كمًّا أو نوعًا.

سياسة التجويع المتعمّد

وفي هذا السياق، قال مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان علاء السكافي: إن سلطات الاحتلال تنتهج سياسة التجويع المتعمد بحق سكان قطاع غزة، مشيرًا إلى أن المعطيات والمؤشرات الميدانية تؤكد استمرار هذه السياسة منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

وأوضح السكافي أن سلطات الاحتلال منعت منذ بدء العدوان، وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) من أداء دورها في غزة وتقديم خدماتها الإنسانية والإغاثية للسكان، إلى جانب استهداف عمل المؤسسات الإغاثية الدولية.

من قال إن المجاعة انتهت؟!

ومن جهته، قال الباحث الفلسطيني محمد قاعود إن أزمة الجوع في قطاع غزة تتواصل رغم محاولات تصوير المجاعة باعتبارها انتهت، في وقت تشير فيه المعطيات الواردة إلى استبعاد نصف مليون فلسطيني من مساعدات برنامج الأغذية العالمي، وتقليص 100 ألف وجبة يوميًا بذريعة نقص التمويل.

وأشار إلى أنه لا يدخل القطاع سوى نحو 200 شاحنة يوميًا من أصل 600 شاحنة ينص عليها اتفاق وقف إطلاق النار، فيما تتضمن الشحنات مواد غير أساسية، وسط اتهامات للاحتلال بإغراق الأسواق بالشوكولاتة والمسليات مقابل تقييد دخول المواد الغذائية الضرورية.

وأضاف "امتلاء رفوف المتاجر ببعض المنتجات الغير ضرورية لا يعني انتهاء المجاعة؛ فالمشكلة ليست في وجود البضائع، بل في توفر الغذاء الأساسي وقدرة المواطنين على شرائه، قبل أن يتفاقم الجوع الذي لم يغادر بيوت كثيرين".

وحذر الصحفي إبراهيم مسلم من موجة مجاعة ثالثة تهدد نحو مليوني فلسطيني محاصرين في قطاع غزة، في ظل استمرار القيود الإسرائيلية على إدخال المواد الغذائية الأساسية، وتفاقم الأوضاع الإنسانية والمعيشية.

وأشار إلى أن تداعيات الأزمة نقص الغذاء إلى تهديد قدرة الأسر على الصمود، خصوصًا الأطفال والمرضى والفئات الأكثر ضعفًا.

وأوضح أن مواجهة خطر المجاعة مرهونة بوقف سياسة التضييق، وضمان تدفق الغذاء دون قيود، قبل أن تتحول التحذيرات من موجة جوع جديدة إلى كارثة إنسانية أوسع.

هندسة التجويع خلال الإبادة

وتعتبر "هندسة التجويع" ممارسة متعمدة، تستخدم الحرمان من الغذاء والماء والمقومات الأساسية للحياة كوسيلة عسكرية وسياسية، وتتحول إلى جريمة إبادة جماعية ممنهجة، ترتكب باسم "الردع" أو "الضغط السياسي"، بينما جوهرها هو العقاب الجماعي المحظور بموجب القانون الدولي.

ومنذ بدء حرب الإبادة الجماعية على غزة، شنّ الاحتلال حرب التجويع على قطاع غزة ما أدى لارتقاء 466 فلسطينيا، بينهم 157 طفلا، جراء سوء التغذية والتجويع، فيما يتعرض أكثر من 1.4 مليون شخص لخطر الأزمة الغذائية حتى نهاية 2026.

وتمثلت حرب التجويع التي شن الاحتلال في حصار الغذاء، الماء، الكهرباء، الوقود، ما أدى إلى تفشي سوء التغذية، وموت أطفال وكبار سن جوعا، وسط عجز صحي كارثي، فيما عمل في مرحلة لاحقة على تحويل مراكز الإغاثة إلى مصائد موت عبر استهداف مباشر لنقاط توزيع المساعدات، وسقوط أكثر من ألف ضحية أثناء بحثهم عن الطعام.

وتعمّد الاحتلال في تصعيد التجويع إلى منع إدخال النقد، وفرض التداول بعملات معينة، مما أدى إلى شلل تجاري وانهيار اقتصادي داخلي، بالإضافة إلى خلق بيئة للفوضى والنهب عبر العصابات فضلا عن تضخم الأسعار.