الوسطى

منع إدخال الشاحنات واحدة منها.. كيف يصعّد الاحتلال حرب التجويع في غزة؟

أدى إغلاق المعابر ووقف التنسيقات إلى ارتفاع الأسعار ونقص السلع، ما يهدد بتراجع المكاسب في مكافحة سوء التغذية حسب تحذيرات يونيسف من عواقب انقطاع الإمدادات.

س
سلمى أحمد
منع إدخال الشاحنات واحدة منها.. كيف يصعّد الاحتلال حرب التجويع في غزة؟

يصعّد الاحتلال الإسرائيلي حرب التجويع في قطاع غزة، ويحوّلها إلى إبادة صامتة تحصد حياة الأطفال وكبار السن والمرضى والجرحى الذين أصيبوا خلال حرب الإبادة الجماعية المتواصلة، الأمر الذي يكشف عن سياسة الاحتلال الممنهجة تجاه الغزيين.

ولم يكن تقليص إدخال شاحنات المساعدات المتفق إدخالها إلى غزة وفق البروتوكول الإنساني لاتفاق وقف إطلاق النار، هو الأسلوب الوحيد الذي ينتهجه الاحتلال لشن حرب التجويع في غزة، بل إنه صعّد الخطط نحو التضييق على المؤسسات الأممية الإغاثية، الأمر الذي أجبر عددا منها مثل برنامج الأغذية العالمي للإعلان عن تقليص مساعدات البرنامج الغذائية أو النقدية إلى نحو 1.1 مليون شخص، أي ما يعادل نصف سكان القطاع نتيجة نقص التمويل الحاد، في ظل تفاقم الأزمة الإنسانية في غزة.

ووصف المكتب الإعلامي الحكومي هذا القرار بـ "الكارثي" الذي ينذر بتسريع وتيرة المجاعة وتعميق الكارثة الإنسانية، داعيا إلى التحرك الفوري للدول العربية والإسلامية وأحرار العالم، للتدخل العملي لكسر الحصار الظالم.

خنق للقطاع المحاصر

ومنذ صباح الأربعاء الماضي، أغلق الاحتلال المعابر أمام حركة البضائع التجارية، تحت مزاعم "فرض ضرائب على الشاحنات التجارية" الأمر الذي نفته غرفة التجارة في غزة، وأثبت المكتب الإعلامي الحكومي زيف ادعاءات الاحتلال.

وأدى هذا الإغلاق إلى تصاعد الأسعار في غزة وتقليص خيارات الشراء أمام المواطن الغزي، وسط اختفاء سلع أساسية مثل البيض الأمر الذي يفاقم معاناة الغزيين ويزيد مخاوفهم من تفاقم النقص إذا استمر إغلاق المعابر.

ومن جهته يرى رئيس اللجنة الاقتصادية في غرفة تجارة وصناعة غزة، رياض السوافيري، أن توقف تجميد الجانب الإسرائيلي التنسيقات التجارية،لا يمكن فصله عن آلية إدخال البضائع التي يتحكم بها الجانب الإسرائيلي، مؤكداً أن التجار لا يملكون حرية التصرف في حركة الشاحنات أو اتخاذ قرارات الإضراب بالطريقة التي قد تبدو عليها الأزمة في ظاهرها.

وأضاف "إلغاء التنسيقات انعكس على الأسواق بارتفاع الأسعار، وبعض التجار استغلوا التطورات وخزّنوا سلعاً، الأمر الذي قد يزيد الضغوط على المستهلكين كلما تراجع المعروض".

المكاسب التي تحققت في مكافحة سوء التغذية هشة

ووفقا لقرار الاحتلال في منع إدخال الشاحنات التجارية، – أكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أن المكاسب المحققة في مكافحة سوء التغذية في غزة لا تزال هشة وقد تتراجع بسبب أي اضطرابات في الإمدادات الداخلة إلى القطاع الفلسطيني، داعية إلى إبقاء جميع المعابر مفتوحة.

وقال ريكاردو بيريس المتحدث باسم يونيسف للصحفيين في جنيف إن تدفق الإمدادات التجارية والإنسانية على حد سواء يجب أن يظل منتظما ومستقرا.

وأوضح أنه "من الواضح أن الأطفال سيتأثرون إن لم يتم حل هذا الوضع"، مشيرا إلى أنه لا يمكننا العودة إلى وضع لا يحصل فيه الأطفال والأسر على جميع الإمدادات والسلع والخدمات التي يحتاجون إليها.

وأظهر تقرير جديد لليونيسف نشر الجمعة الماضية أن وقف إطلاق النار الساري منذ أكتوبر تشرين الأول الماضي أتاح دخول مزيد من المساعدات الإنسانية والإمدادات التجارية، لكن مخاطر سوء التغذية الحاد لا تزال قائمة.

وقال التقرير إن التقدم المحرز في درء خطر المجاعة، الذي أكده مرصد عالمي للأمن الغذائي في أغسطس آب من العام الماضي، تحقق بفضل توسيع نطاق الاستجابة الغذائية، وتخفيف القيود على دخول الأغذية والإمدادات، ووقف إطلاق النار، لكن التقرير حذر من أن المكاسب لا تزال هشة.

وجاء في التقرير "تراجعت معدلات سوء التغذية الحاد، لكن طفلا واحدا فقط من كل ثلاثة أطفال دون سن الثانية يحصل حاليا على الحد الأدنى من التنوع الغذائي". وأظهر مسح أجرته يونيسف في يونيو حزيران انتشارا ملحوظا لسوء التغذية المزمن، إذ يؤثر على طفل واحد من كل ثمانية أطفال دون الخامسة.

مخاوف من عودة المجاعة إلى غزة

ومن جهته، أكد مدير مستشفى الأطفال والولادة بمجمع ناصر الطبي في خان يونس أحمد الفرا، أن التحسن في الوضع الغذائي بقطاع غزة يظل "هشاً ومؤقتاً"، مُحذراً من خطر الانتكاس وعودة تفاقم أزمة سوء التغذية في ظل تواصل الخروقات، وإغلاق المعابر، والقيود الصارمة التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على تدفق المساعدات والبضائع التجارية.

وأوضح د. الفرا، أن ما تحقق من نتائج إيجابية عقب تفاهمات وقف إطلاق النار سرعان ما بدأ يتلاشى جراء إغلاق المعابر لأكثر من أسبوع، مؤكداً أن السلع المتوفرة لا تلبي احتياجات السكان الأساسية، ناهيك عن تدهور قيمتها الغذائية بسبب الانقطاع التام للكهرباء وتكرار عمليات إذابة وتجميد اللحوم والمواد الغذائية الواردة من الخارج.

وأشار الفرا إلى أن الاحتلال ما يزال يسيطر على نحو 60% إلى 65% من الأراضي الزراعية، والتي تُعد "السلة الغذائية" الرئيسية لغزة. يضاف إلى ذلك منع الصيد البحري، وحظر إدخال المواشي أو مستلزماتها الأساسية كالأعلاف واللقاحات، مما أدى إلى شلل كامل في القطاعين الزراعي والحيواني.

وفيما يتعلق بأزمة المياه والكهرباء، كشف د. الفرا أن حصة الفرد اليومية من المياه الصالحة للشرب في غزة لا تتجاوز 2 إلى 3 لترات فقط، مقارنة بالمعيار العالمي الذي لا يقل عن 100 لتر يومياً، واصفاً الوضع بـ "الأزمة الخانقة والمجمعة" التي تمس الأغذية والمياه والطاقة في آن واحد.

وحذر د. الفرا من التداعيات الخطيرة للتقرير الصادر عن اليونيسف ووزارة الصحة، والذي وثّق تسجيل نحو 158 ألف حالة سوء تغذية بين الأطفال، لافتاً إلى أن إصابة طفل من بين كل 8 أطفال دون سن الخامسة بسوء التغذية المزمن تعني مواجهة جيل كامل لآثار صحية ونفسية دائمة.

وبيّن أن من أبرز هذه المضاعفات: ظاهرة التقزم المنتشرة حالياً، تراجع التحصيل الدراسي، فقر الدم المزمن، تأخر البلوغ، وصعوبات التكيف الاجتماعي والنفسي لدى الأطفال مقارنة بأقرانهم.

وأفاد د. الفرا بأن استعادة الأمن الغذائي بشكل مستدام تتطلب فتح كافة المعابر بشكل منتظم، وسحب قوات الاحتلال من الأراضي الزراعية، والسماح بإدخال الوقود وتنشيط الحركة التجارية المحلية لتوفير السلع بأسعار معقولة.

وفي 22 أغسطس/ آب 2025، أعلن مرصد عالمي للجوع أن مدينة غزة والمناطق المحيطة بها تعاني رسمياً من مجاعة من المرجح أن يتسع نطاقها، في تقييم من شأنه أن يزيد الضغط على إسرائيل من أجل السماح بدخول المزيد من المساعدات الإنسانية إلى القطاع الفلسطيني.

ومنذ أكتوبر 2023 ترتكب إسرائيل إبادة جماعية في قطاع غزة قتلت خلالها أكثر من 74 ألف فلسطيني وأصابت ما يزيد على 175 ألفا، ودمرت نحو 90 بالمئة من البنية التحتية.