الوسطى

"كمين العائدين".. الاحتلال يحوّل معبر رفح إلى ساحة للاعتقال والتنكيل

توثق تقارير اعتقال شبان ومريضة وابنتها دون توضيح الأسباب، ونقلهم لسجون غير معلومة فيما تصفه "لوموند" بفخ العودة.

ه
هبة البنا
"كمين العائدين".. الاحتلال يحوّل معبر رفح إلى ساحة للاعتقال والتنكيل

وثقت تقارير حقوقية وفلسطينية، اعتقال قوات الاحتلال الإسرائيلي، ثلاثة شبان فلسطينيين أثناء عودتهم إلى قطاع غزة عبر معبر رفح البري، نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي

وأفاد مصدر في الهيئة العامة للمعابر والحدود، بأن الشبان الثلاثة تم اعتقالهم خلال عودة عشرات المسافرين إلى القطاع، دون إبداء أسباب من قبل الاحتلال الإسرائيلي بشأن اعتقالهم.

وأوضح المصدر، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، أن المعتقلين هم الشاب شكري غزال ومحمد النجار ومحمد عكيلة، وتراوح أعمارهم بين 37 عاماً و23 عاماً، مبيناً أن الاحتلال نقلهم إلى جهة غير معلومة.

وأشار إلى أن إجمالي عدد المسافرين المعتقلين ارتفع بعد اعتقال الشبان الثلاثة إلى 11، هم 10 مسافرين عائدين إلى القطاع وطالب كان متجهاً إلى إيطاليا عبر معبر كرم أبو سالم، هو محمود النجار، قبل عدة أشهر.

ووفق المصدر، فإن الاحتلال الإسرائيلي لم يفرج عن أي من المسافرين المعتقلين حتى اللحظة، وهم يخضعون جميعاً للتوقيف داخل السجون الإسرائيلية دون أن يعرف ذووهم طبيعة التهم الموجهة إليهم.

وتعتبر هذه هي الواقعة الثالثة لعمليات اعتقال يقوم بها الاحتلال خلال شهر أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، حيث كانت الحادثة الأولى في 20 أكتوبر واستهدفت مريضاً ومرافقته، واستهدفت الثانية في 22 من الشهر الحالي شاباً، وجاءت عملية الاعتقال هذه لتصبح الثالثة خلال الشهر الجاري.

وفي تقريرها، قالت صحيفة "لوموند" الفرنسية إن الفلسطينيين العائدين إلى قطاع غزة عبر معبر رفح يواجهون انتهاكات إسرائيلية تشمل الإذلال والتفتيش التعسفي والاعتداء الجسدي ومصادرة الممتلكات، إلى جانب اعتقال مسافرين دون توضيح الأسباب، واصفة ما يجري بأنه "فخ العودة".

وأشارت الصحيفة إلى اعتقال 11 فلسطينياً منذ 22 مارس/آذار أثناء مغادرتهم القطاع أو العودة إليه، بينهم أمل الريفي (60 عاماً) وابنتها ياسمين، اللتان اعتقلتهما قوات الاحتلال في 20 أكتوبر/تشرين الأول لدى عودتهما من مصر، بعد رحلة علاجية استمرت منذ فبراير/شباط 2025.

ونقلت "لوموند" عن ميسون الريفي، ابنة أمل ومحامية تبلغ 30 عاماً، أن والدتها كانت تعاني من سرطان الثدي الذي انتشر إلى الرئتين، وخضعت في مصر لعمليتين جراحيتين وجلسات علاج كيميائي بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية. وأضافت أن العلاج أنهك والدتها نفسياً وجسدياً، وأنها اختارت العودة إلى غزة لتقضي ما تبقى من حياتها بين أسرتها.

وقالت ميسون إنها تمكنت، بمساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، من معرفة مكان احتجاز والدتها وشقيقتها، وتبين أنهما في سجن شيكما بمدينة عسقلان. وطالبت بتوضيح أسباب اعتقالهما، مؤكدة أن عائلتها لا علاقة لها بأي نشاط سياسي أو عسكري، وأنها لم تكن لتخاطر بإعادة والدتها المريضة لو توقعت اعتقالها.

وقالت منظمة "الضمير" إن احتجاز أمل وابنتها مُدد حتى الثالث من ديسمبر/كانون الأول.

ولفتت الصحيفة إلى أن أفراد البعثة الأوروبية للمساعدة الحدودية يشاهدون بعض الاعتقالات دون القدرة على التدخل، رغم خضوع المسافرين مسبقاً لإجراءات التحقق الأمني والحصول على تصاريح العبور.

كما نقلت الصحيفة الفرنسية عن مسؤول فلسطيني مشارك في المفاوضات أن إسرائيل تحذف عشرات الأسماء من قوائم العائدين في اللحظات الأخيرة، ما يضطر الجانب الفلسطيني إلى تقليص أعداد المغادرين بالمقدار نفسه.

وأكد أن المرضى والجرحى هم الأكثر تضرراً، إذ ينتظر أكثر من 20 ألفاً منهم الإجلاء لتلقي العلاج غير المتوفر في القطاع.

وتحدثت الصحيفة عن اعتداءات ومصادرة ممتلكات، مستندة إلى شهادات جمعتها الأمم المتحدة، إذ تعرض رجل مسن مطلع أغسطس/آب للضرب والتقييد والجر على الأرض، قبل احتجازه ونقله في حافلة، بعدما احتج على اختفاء مبلغ مالي كان بحوزته.

كما أبلغ فلسطينيون عن مصادرة أدوية ومستلزمات طبية ووثائق هوية وشهادات جامعية وأموال ومقتنيات شخصية.

ونقلت عن سونغاي، رئيس مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، قوله في 13 أغسطس/آب إن ما يتعرض له العائدون "أمر مرفوض"، مشيراً إلى أنهم أشخاص في أوضاع إنسانية هشة يعودون إلى أرضهم المدمرة، فيما تُصادر أبسط مستلزماتهم.

واعتبر أن هذه الانتهاكات تندرج ضمن نمط أوسع يهدف إلى ردع الفلسطينيين عن العودة إلى منازلهم. وفي تطور لافت، كشفت الصحيفة أن الأمم المتحدة تدرس تعليق مهمتها الخاصة بتنسيق عودة الفلسطينيين عبر معبر رفح اعتباراً من 19 نوفمبر/تشرين الثاني، على خلفية تزايد الاعتداءات والاعتقالات.

وأوضح مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية أن المنظمة تعيد تقييم عمليات مرافقة العائدين، دون تأكيد الموعد المذكور.

وحذر مسؤول فلسطيني من أن وقف المهمة الأممية سيحرم المسافرين من الوجود الدولي الوحيد الذي يشهد على الانتهاكات عند نقاط التفتيش، وقد يفتح المجال أمام شركات خاصة أو ميليشيات فلسطينية مدعومة من إسرائيل لإدارة حركة العبور.

وقال المسؤول الفلسطيني إن العاملين يضطرون إلى أداء مهامهم داخل حاوية، واصفاً ظروف العمل بأنها تشبه السجن، مضيفاً أن إسرائيل ترفض السماح باستخدام مبانٍ فارغة أو إدخال المركبات اللازمة لتسيير العمل، رغم استعداد دول لتقديم المساعدة.

وخلصت الصحيفة إلى أن القيود الإسرائيلية والاعتقالات والانتهاكات، إلى جانب ضعف الإمكانات اللوجستية، تجعل عودة الفلسطينيين إلى غزة محفوفة بالمخاطر، وتفاقم معاناة المرضى والجرحى والعائلات.

وتأتي هذه التحذيرات في ظل أزمة متفاقمة في القطاع الصحي بغزة، حيث ينتظر أكثر من 20 ألف مريض وجريح الإجلاء لتلقي العلاج خارج القطاع، إذ تزيد القيود المفروضة على المعابر، ومحدودية أعداد المغادرين، ونقص العلاجات والتخصصات الطبية، معاناة المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية غير متوفرة داخل القطاع.

ومنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، توفي أكثر من 1344 مريضاً وجريحاً وهم ينتظرون الحصول على العلاج، في ظل تراجع قدرة المنظومة الصحية في غزة على تقديم الرعاية الطبية، ولم يعد يعمل سوى 19 مستشفى من أصل 38، بحسب بيانات وزارة الصحة في غزة.

وفي 2 فبراير/ شباط 2026، أعادت إسرائيل فتح المعبر بشكل محدود، وسمحت بمغادرة أعداد قليلة من المرضى والجرحى، وسط قيود مشددة، تشمل التفتيش الدقيق وساعات من التحقيق لدى قوات الجيش الإسرائيلي.

وبحسب إحصائية لوزارة الصحة، بلغ إجمالي المرضى والجرحى الذين غادروا القطاع عبر المعبر 2480 شخصاً، خلال الفترة من 2 فبراير إلى 2 سبتمبر/ أيلول 2026، ويعادل ذلك متوسطاً حسابياً يبلغ نحو 12 مريضاً وجريحاً يومياً، مقارنة بـ50 مريضاً و50 مرافقاً يومياً، وفق ما جرى التوافق عليه، بحسب ما أوردت وكالة "الأناضول".