"لم يكونوا مجرد رجال".. في تفاصيل صورةٍ لاجتماع المجلس العسكري لكتائب القسام
كشف برنامج ما خفي أعظم صورة لاجتماع ضم محمد الضيف ومروان عيسى ورفاقهم، مؤكداً استشهاد جميع الحضور الذين قادوا معركة طوفان الأقصى.

كشف برنامج ما خفي أعظم سلسلة من مسيرة القائد العام لكتائب عز الدين القسام -الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) الشهيد محمد الضيف، ليفتح في حلقة كاملة ثلاثة عقود من سيرة قائد لم يكن غياب امتلاك الأسلحة عائقًا أمامه لتنفيذ عمليات مقاومة والإشراف على التخطيط والتنفيذ بنفسه، والتنقل بين القطاع والضفة لتوحيد العمل المقاوم.
كان هم الشهيد محمد الضيف قضية الأسرى التي حملها على عاتقه، وتمكن على مدار 30 عاما من نقل المقاومة نقلة نوعية، تمتلك أنفاقا وصواريخ ومسيرات، فيما تجلت مسيرته بقيادة الهجوم التاريخي في السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023 والإعلان عن انطلاق معركة "طوفان الأقصى" التي هزت المشروع الصهيوني في المنطقة.
وأظهرت الحلقة أيضا عددا من الحاضرين خلال اجتماع المجلس العسكري لكتائب القسام بكامل أعضائه برئاسة الضيف في أحد أنفاق غزة، وقد استشهد جميع من حضروه، بينهم مروان عيسى ومحمد السنوار وعز الدين الحداد ورائد سعد وأحمد الغندور ورافع سلامة.
مجلس الشهداء… اجتماع الأرواح على درب الوفاء
وعلَّق القيادي في حركة حماس محمود مرادوي على الصورة بالقول: "لم يكونوا مجرد رجال اجتمعوا في مجلس، بل كانوا حكاية وطن، وأمل أمة، وذاكرة شعب؛ جيلاً حمل قضيته في القلب، ومضى ثابتاً على العهد، حتى الشهادة والنصر".
وأضاف: "هنا وجوهٌ تعرف معنى التضحية، وقلوبٌ لم تنحنِ أمام المحن، ورجالٌ جمعتهم دروب الجهاد والنضال، ووحّدت بينهم رابطة الشهادة، فبقوا حاضرين في الذاكرة والوجدان".
وتابع: "سلامٌ على من عاشوا للقضية، وصبروا على قسوة الطريق، وتركوا خلفهم سيرةً لا تطويها السنوات، وأثراً لا تمحوه المتاعب ولا تكسره التحديات"، مؤكدا أن الشهداء لا يغيبون؛ فهم وإن رحلوا بأجسادهم، يبقون أحياءً في ضمير الأمة، وعند الله لهم حياةٌ لا يعلم كنهها إلا هو.
خمس رسائل ذات أهمية
وأشار الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا إلى أن الفيلم حمل خمس رسائل، الأولى تتمثل بارتباط تاريخ محمد الضيف بتطور العمل المقاوم الفلسطيني الحديث، وتراكم خبراته وقدراته على مدار أربعة عقود، والثانية أن الفيلم أبرز وحدة القضية والعمل المقاوم، والترابط بين الساحتين رغم محاولات الفصل الجغرافي والسياسي بينهما.
وأضاف "الرسالة الثالثة هي أن القدس والأقصى والأسرى والاستيطان ظلت في صدارة الأولويات، من مواجهة الاستيطان في غزة إلى مقاومة توسعه في الضفة الغربية، والرابعة تتمثل في تراكم الجهد والإعداد إذ عرض الفيلم مسارًا طويلًا من التخطيط والعمل وتطوير القدرات، ليؤكد في روايته أن ما جرى لم يكن وليد لحظة عابرة".
وحول الرسالة الخامسة لفت القرا إلى "جماعية قرار الطوفان، فقدّم الفيلم القرار باعتباره نتاج مشاورات وتقديرات وتحضيرات جماعية، وليس قرارًا فرديًا أو انفعاليًا، مؤكدا أن الرسالة الأهم: لم يقدّم الفيلم محمد الضيف بوصفه شخصية منفصلة عن تاريخ القضية الفلسطينية، بل باعتباره جزءًا من مسار ممتد، تتداخل فيه التجربة الشخصية مع التحولات السياسية والميدانية".
غزة والضفة أسرة واحدة
وكتب الأسير المحرر عبد الناصر عيسى، أحد ضيوف الحلقة والشاهدين على محطات من حياة الضيف: "اختلفت معهم أم اتفقت؟ فهم جيل قرآني فريد، تميز بوضوح المرجعية، واقتران المعرفة بالعمل، وعمق التحول التربوي، وحمل همّ الأقصى والأمة بشجاعة نادرة. هم إخواني، تشرفت بصحبتهم".
وأضاف "من عظيم ما خفي أيضًا، أنني والأخوين الكبيرين، محمد الضيف ويحيى عياش، خططنا في مايو/أيار 1995 للنهوض بالوضع العسكري في الضفة الغربية، ولعودة يحيى عياش إليها مجددًا..فغزه والضفه أسرة واحدة..قالها القائد الضيف مرارا".
تقدير عسكري وقناعة سياسية
وذكر الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة، أن الوثائق والمحاضر والشهادات التي عرضها برنامج «ما خفي أعظم» أوضحت أن قرار معركة "طوفان الأقصى" تبلور عبر مسار من المشاورات والتقييمات بين المستويين السياسي والعسكري، بالتوازي مع إعداد ميداني طويل.
وقال عفيفة: "من الضروري هنا التمييز بين بناء القدرة على تنفيذ عملية بهذا الحجم، واتخاذ القرار السياسي بتنفيذها، ثم تحديد توقيتها".
وأضاف "على المستوى العسكري، تشير الشهادات إلى أن التحضيرات امتدت سنوات، وأن مرحلة ما بعد معركة «سيف القدس» عام 2021 كانت محطة مهمة في تطويرها. انصبّ الجهد على تعزيز الجاهزية في مختلف التخصصات، وبناء تقدير موقف ميداني يحدد ما تستطيع كتائب القسام تنفيذه. ولذلك، يبدو أن نضوج القدرة العسكرية كان عاملًا أساسيًا في انتقال الفكرة إلى خيار قابل للتنفيذ".
وأوضح أن القراءة السياسية كما عُرضت، تشير إلى ارتباطه بتصاعد الانتهاكات في القدس والمسجد الأقصى، والخشية من فرض وقائع تمسّ وضعه وهويته، بما بدا للقيادة اقترابًا من نقطة يصعب التراجع عنها. وتزامن ذلك مع تشديد الإجراءات بحق الأسرى في ظل تولّي إيتمار بن غفير وزارة الأمن القومي، على نحو جعل أوضاع السجون، في تقديرها، قابلة للانفجار. وفي الخلفية، استمر حصار غزة، وغاب أفق سياسي يستطيع الفلسطينيون التعويل عليه لتغيير واقعهم.
ويرى عفيفة أن دلالة مهمة تكشف من هذه القراءة وهي وجود نقاش بشأن إمكان تجنّب المواجهة إذا نجحت الجهود السياسية في كبح إجراءات حكومة الاحتلال، مضيفا "هذا يوحي بأن التحضير العسكري لم يكن يعني، في كل مراحله، حسم قرار التنفيذ؛ بل ظل مرتبطًا بتقدير جدوى الوساطات وإمكان إحداث تغيير سياسي وميداني".
وأشار إلى أن هذه القراءة تؤكد أن القرار تبلور عند التقاء عاملين: تقدير عسكري بامتلاك القدرة على تنفيذ ضربة واسعة، وقناعة سياسية متزايدة بأن استمرار الانتظار سيتيح للاحتلال فرض مزيد من الوقائع، خصوصًا في الأقصى وملف الأسرى.
وتابع " لقد بدا أن القيادة وصلت إلى استنتاج بأن الوسطاء والمنظومة الدولية لم يعودوا قادرين على كبح الحكومة الإسرائيلية، وأن الأخيرة تتصرف على أساس قدرتها على احتواء الساحات الفلسطينية ومواصلة سياساتها دون كلفة رادعة".
وأعلن الاحتلال الإسرائيلي اغتيال القائد محمد الضيف في غارة جوية على منطقة المواصي جنوبي قطاع غزة في يوليو/تموز 2024، فيما أكدت كتائب القسام استشهاده في 30 يناير/كانون الثاني 2025.