ضابطة إسرائيلية تقود مشروع ناتان الطبي في غزة.. ما وراء الواجهة الإنسانية؟
أليس ميلر تدير عيادة للأطفال بالمواصي لتحسين صورة إسرائيل، وسط تحذيرات فلسطينية من أهداف أمنية ومخاطر اختراق ناعم عبر مبادرات إنسانية.

في سبتمبر/ أيلول الماضي، أعلنت منظمة "ناتان" الإسرائيلية الاستعداد لافتتاح عيادة طبية للأطفال في منطقة المواصي جنوبي قطاع غزة، ضمن مشروع تقول إنه يستهدف تقديم خدمات صحية لنحو 10 آلاف طفل، بالتعاون مع "قرية أطفال غزة" الأمريكية.
وكشفت التقارير، أن من تقود المنظمة هي الضابطة الإسرائيلية السابقة، أليس ميلر، التي تعود شهرتها إلى معركتها القضائية التي خاضتها في تسعينيات القرن الماضي، للمطالبة بحق النساء في الالتحاق بدورة الطيران التابعة لسلاح الجو الإسرائيلي.
وانتهت المعركة بقرار قضائي فتح الباب أمام النساء للالتحاق بمسارات الطيران العسكري، لتصبح ميلر إحدى أبرز الشخصيات المرتبطة بهذا التحول داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
ولم يقف الأمر عند ذلك، فإن ابنة ميلر تخدم أيضاً في إحدى وحدات النخبة بجيش الاحتلال، في وقت تتولى فيه والدتها قيادة مشروع يقدم نفسه بوصفه مبادرة إنسانية لمساعدة أطفال غزة.
ولا تقتصر المفارقة على انتقال ميلر من خلفية مرتبطة بالمؤسسة العسكرية إلى قيادة منظمة إنسانية، بل تتصل أيضاً بالرسائل التي تحملها المبادرة.
وكشفت تصريحات ميلر لصحيفة "هآرتس" عن الأبعاد السياسية لهذه المبادرة، مؤكدةً أنها تحمل معنى سياسياً يتمثل في إظهار "الجانب الإنساني لإسرائيل"، التي قالت إنها تظهر في العالم باعتبارها "شريرة فقط".
رفض فلسطيني لمحاولات الاختراق الناعم
بدوره، حذر منسق عام شبكة المنظمات الأهلية في قطاع غزة، د. محمد صالحة، من خطورة السماح للمؤسسات الإسرائيلية بتنفيذ أنشطة داخل القطاع، خصوصاً في المجالين الصحي والتعليمي.
وقال صالحة، إن الشبكة تابعت أنشطة منظمة "ناتان" بالتعاون مع ما تُسمى "قرية أطفال غزة"، وإنها أثارت تساؤلات جدية، لا سيما بشأن تقديم تطعيمات للأطفال، في ظل غموض يحيط بطبيعتها والجهات التي تدخلها إلى القطاع وآليات توزيعها.
وأوضح أن تطعيمات الأطفال يفترض أن تتم عبر الجهات الصحية المختصة ووكالات الأمم المتحدة، وعلى رأسها اليونيسف، متسائلاً عن هوية الجهات التي تقدم هذه التطعيمات وطبيعتها وآليات إدخالها.
كما نبه صالحة من احتمالات ارتباطها بأهداف أمنية، تشمل جمع المعلومات أو تنفيذ مهام أخرى داخل القطاع، مستشهداً باستخدام الاحتلال سابقاً واجهات مرتبطة بالعمل الإنساني.
وشدد على أن أي تدخل خارج منظومة المؤسسات الوطنية ووكالات الأمم المتحدة يثير علامات استفهام، داعياً الجهات الحكومية المختصة إلى التدقيق في مصادر التمويل والبرامج والتصاريح وآليات اختيار المستفيدين، قبل السماح لأي مؤسسة بممارسة أنشطتها.
فيما رأى الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة أن دخول منظمة "ناتان" إلى غزة يحمل تناقضاً يتجاوز مسألة تقديم الخدمات الطبية، ويتصل بالصورة التي تسعى إسرائيل إلى إعادة إنتاجها أمام المجتمع الدولي.
وكتب عفيفة، في مقال له، إن الإشكالية لا تكمن في وصول الدواء أو الطعام أو الخدمات الطبية إلى الأطفال الفلسطينيين، وإنما في الجهة التي تقدم هذه الخدمات والسياق السياسي الذي يجري فيه.
وأشار إلى أن تقديم المساعدات في هذه الظروف قد يتيح للاحتلال إبراز مشاهد العلاج والإغاثة، مقابل تغييب المسؤولية عن القتل والتدمير والتهجير والتجويع والحصار، مشدداً على أن الإغاثة لا يمكن أن تتحول إلى "مغسلة سياسية".
وأردف عفيفة أن غزة تحتاج إلى كل دواء وكل وجبة، لكن الطفل الفلسطيني ليس جزءاً من حملة علاقات عامة إسرائيلية، مضيفاً: "من يهدم المستشفى لا يصبح إنسانياً لأنه افتتح عيادة فوق أنقاضه".