طوابير الخبز تعود في غزة.. نفاذ الطحين وتقليص المساعدات يهددان بمجاعة وشيكة
أغلقت 11 مخبزاً لنفاد الطحين وتقليص برنامج الغذاء العالمي مساعداته لنصف مليون شخص، وسط قيود إسرائيلية على إدخال الإمدادات وتحذيرات حقوقية.

استيقظ أهالي قطاع غزة على مشهد طوابير الخبز من جديد، مع نفاد كميات الطحين وتوقف عدد من المخابز عن توفير الخبز المدعوم للسكان؛ لتتضاعف حدة المعاناة مع قرار برنامج الغذاء العالمي تقليص مساعداته لنحو نصف مليون فلسطيني.
ويأتي هذا التداعي الخطر في وقتٍ تتآكل فيه مقومات الحياة الأساسية في القطاع إلى أدنى مستوياتها بفعل استمرار القيود الإسرائيلية على إدخال الإمدادات، وتقليص مساعدات منظمة الأغذية العالمية لنصف مليون غزي، وسط تحذيرات حقوقية متصاعدة من أن سياسات الحرمان وتقييد الغذاء تُستخدم كأداة لإخضاع السكان وتعميق واقع التهجير القسري.
أزمة المخابز ونفاذ مخزون الطحين
وقال رئيس جمعية أصحاب المخابز في قطاع غزة، عبد الناصر العجرمي، إن أزمة الخبز تفاقمت بعد إغلاق الاحتلال الإسرائيلي المعابر، ونفاذ كميات الطحين، مشيرًا إلى أن الأزمة تزامنت مع الأعياد اليهودية والإغلاق المتكرر للمعابر خلال الشهر الجاري وأسهمت في استنزاف الكميات المتبقية وتسريع نفادها.أن
وأوضح أن 11 مخبزًا أُغلقت حتى الآن في مختلف مناطق القطاع بسبب نفاد الطحين، فيما باتت سبعة مخابز أخرى مهددة بالتوقف عن العمل إذا استمر منع إدخال الإمدادات، لافتًا إلى أن الاحتلال لم يسمح، حتى اللحظة، بإدخال كميات جديدة من الطحين، رغم المطالبات والتنسيقات التي جرت بهذا الشأن.
تراجع التمويل ورفض التعويض
وبيّن العجرمي أن جمعية أصحاب المخابز طلبت السماح بإدخال نحو 7500 طن من الطحين شهريًا، لتعويض العجز الناجم عن تقليص برنامج الأغذية العالمي كميات الطحين المقدمة للمخابز المدعومة، إلا أن إغلاق المعابر حال دون إدخال أي كميات تعويضية حتى الآن.
ولفت إلى أن برنامج الأغذية العالمي قد خفّض، مطلع أكتوبر/تشرين الأول، كمية الطحين المقدمة ضمن مساعداته بنسبة 45%، فيما ترفض سلطات الاحتلال السماح بإدخال كميات إضافية لتعويض النقص.
وحذّر العجرمي من أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المخابز وتفاقم نقص الخبز في الأسواق، مؤكدًا أن الجمعية أبلغت برنامج الأغذية العالمي، الذي تعمل المخابز المدعومة بالوقود تحت مظلته.
وكان برنامج الأغذية العالمي أعلن في بيان صدر في 19 أكتوبر/تشرين الأول، خفض عدد المستفيدين من مساعداته من نحو 1.6 مليون شخص في سبتمبر/أيلول إلى 1.1 مليون في أكتوبر/تشرين الأول، أي بتراجع يقارب 500 ألف شخص.
وشملت التخفيضات تقليص كمية الطحين المقدمة للأسر المستفيدة، إلى جانب خفض المخصصات الغذائية من طردين إلى طرد واحد لكل أسرة. كما قلّص البرنامج عدد الوجبات الساخنة التي يقدمها يوميًا من نحو 250 ألف وجبة إلى 150 ألفًا، عازيًا هذه الإجراءات إلى نقص التمويل.
الأورومتوسطي يرصد مؤشرات للمجاعة
بدوره، حذّر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان من تجدد خطر المجاعة في قطاع غزة، مع شحّ الدقيق والمواد الغذائية الأساسية وتوقف مخابز عن العمل وانهيار القدرة الشرائية للسكان.
وقال المرصد الأورومتوسطي في بيان صحافي اليوم الخميس، إنّ فريقه الميداني أجرى جولات رصد شملت الأسواق المركزية والمحال التجارية وتجمعات النازحين في محافظات القطاع، تبيّن خلالها شحّ شديد في الخضروات والفواكه ومواد أساسية أخرى، وارتفاع أسعار الأصناف المتبقية بما يتجاوز القدرة الشرائية لغالبية السكان، الذين فقدوا مصادر دخلهم واستُنزفت مدخراتهم بفعل سياسات الحصار والتدمير والتهجير المتكرر والإفقار الممنهج التي تفرضها إسرائيل بالمخالفة للقانون الدولي.
وبيّن المرصد الأورومتوسطي أنّ أزمة نفاد الدقيق وشحّ وقود التشغيل أدت إلى إغلاق عدة مخابز أبوابها خلال الأيام القليلة الماضية، بما في ذلك توقف مخبزين رئيسيين عن العمل في مدينة غزة يوم أمس الأربعاء، الأمر الذي أعاد مشاهد طوابير الخبز الطويلة والمرهقة إلى الظهور من جديد وسط غلاء عام وحاد في أسعار الطحين والمواد الغذائية الأساسية المتبقية.
وأوضح المرصد الأورومتوسطي أنّ هذه الأزمة الميدانية تتزامن مع إعلان برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة يوم 19 أكتوبر/تشرين الأول 2026 قراره وقف المساعدات الشهرية لنحو 500 ألف شخص في قطاع غزة بسبب نقص التمويل.
وأشار إلى أنّ تقاطع هذا التقليص الأممي مع القيود الإسرائيلية الصارمة على الإمدادات يضع عشرات آلاف الأسر أمام فجوة غذائية مضاعفة، ويقوّض ما تحقق من تحسّن محدود في الأشهر الماضية، وينذر بانتكاسة خطيرة مع حلول فصل الشتاء.
وذكر المرصد الأورومتوسطي أنّ هذه التطورات الخطيرة تأتي في وقت ما تزال فيه آثار التجويع السابق ماثلة بوضوح، إذ أعلنت وزارة الصحة في غزة يوم 16 أكتوبر/تشرين الأول 2026 وفاة ما لا يقل عن 466 فلسطينيًا، بينهم 157 طفلًا، جراء سوء التغذية والمجاعة منذ عام 2024، وتسجيل أكثر من 158 ألف حالة سوء تغذية حاد بين الأطفال دون الخامسة حتى أغسطس/آب 2026 مع تقدير حاجة 74,200 طفل للعلاج حتى أبريل/نيسان 2027، فضلًا عن ارتفاع نسبة فقر الدم بين الحوامل إلى 61% خلال عام 2026 بعد أن كانت 41% قبل الحرب، وتسجيل قرابة 4,000 حالة فقدان حمل في النصف الأول من العام بزيادة تفوق ثلاثة أضعاف الأشهر الستة السابقة.
ولفت المرصد الأورومتوسطي إلى تحذير منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" من أنّ المكاسب المتحققة في مكافحة سوء التغذية داخل قطاع غزة ما تزال هشّة للغاية وقد تتراجع سريعًا عند أي اضطراب في سلاسل الإمدادات، لا سيما أنّ أحدث التقييمات الصادرة عن التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي تشير إلى استمرار معاناة نحو 1.4 مليون شخص، أي قرابة ثلثي سكان القطاع، من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في ظل تدمير الأراضي الزراعية وسبل الإنتاج المحلي واستمرار الارتهان الكامل لما تسمح السلطات الإسرائيلية بمروره عبر المعابر الخاضعة لسيطرتها.
وبيّن المرصد الأورومتوسطي أنّ إخضاع الفلسطينيين عمدًا لظروف معيشية تحرمهم من مقومات البقاء ويُراد بها تدميرهم المادي كليًا أو جزئيًا يندرج ضمن أفعال الإبادة الجماعية المنصوص عليها في المادة الثانية (ج) من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.