تحقيق: قصف مستشفى ناصر مرّتين قد يرقى إلى جريمة حرب
الصحفية مريم أبو دقة قُتلت في الضربة الثانية بعدما هرعت لتغطية الأولى، وتحليل صوتي يضع الدبابة على بعد 2.5 كيلومتر، وأستاذ قانون دولي يسأل عن التناسب.
طرح تحقيق نشرته صحيفة «إندبندنت» البريطانية سؤالاً عمّا إذا كانت ملابسات الغارة المزدوجة على مستشفى ناصر في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة ترقى إلى جريمة حرب، وهي الغارة التي وقعت في 25 أغسطس/آب 2025 وقُتل فيها عدد من الصحفيين والمدنيين.
وكان من بين القتلى الصحفية مريم أبو دقة، وعمرها 33 عاماً، وقد عملت لحساب «إندبندنت عربية» و«أسوشيتد برس»، وأقامت قبالة المستشفى في مبنى أصابه الدمار جزئياً وتتقاسمه مع زميلات لها، وكانت ساحة المستشفى قد صارت مخيماً يأوي إليه النازحون.
عشر دقائق بين الضربتين
وقال سبعة شهود عيان للصحيفة إنهم رأوا طائرات استطلاع في سماء المكان فور وقوع الضربة الأولى، وإن عشرات من الناس احتشدوا عند الدرج الخارجي للمبنى ليُخرجوا المصابين ويصوّروا ما جرى.
وبعد نحو عشر دقائق سقطت الضربة الثانية، وفيها قُتلت أبو دقة بعدما هرعت لتغطية ما وقع قبل قليل.
وهذا الفاصل الزمني هو ما يحوّل الواقعة من ضربة واحدة إلى حدثين: الأولى تصنع تجمّعاً من المسعفين والصحفيين والجيران، والثانية تسقط على هذا التجمّع بعد أن اكتمل. ونقلت الصحيفة عن جندي احتياط إسرائيلي سبقت له الخدمة في سلاح المدرّعات قوله إن ما جرى تجاوز حدّ التعمّد، فالهجوم في تقديره «يبدو أنه كان مخططًا له بدقة».
كاميرا بثّ لا كاميرا رصد
وأفاد الجيش الإسرائيلي عقب الهجوم بأن لواء غولاني رصد كاميرا نسب وضعها إلى حركة حماس بغرض مراقبة قواته.
غير أن وكالة «رويترز» شدّدت على أن تلك الكاميرا كانت ملكاً لها وتنقل بثاً مباشراً من خان يونس، وأن الجيش يعلم بوجود طواقمها داخل المستشفى. ونقلت الصحيفة الرواية نفسها عن ستة صحفيين ومقيمَين في المكان وأطباء أجانب كانوا هناك.
وقال رئيس قسم التمريض في المستشفى الدكتور محمد صقر إن قناة اتصال كانت قائمة بين الجانب الإسرائيلي وطاقم المستشفى، وإن أي إشكال يتعلق بكاميرا كان بالإمكان طرحه عبرها.
ما قالته الشظايا والصوت
وحلّلت منظمة «إيرشوت» أصوات ما لا يقل عن خمس كاميرات وقعت الطلقة الثانية في مداها، فخرجت بتقدير يضع الدبابة التي أطلقتها على مسافة تقارب 2.5 كيلومتر إلى الشمال الشرقي من المستشفى، بحساب مسار المقذوف والفرق الزمني بين لحظة الارتطام ولحظة وصول صوت الإطلاق.
وفي اليوم ذاته، رصدت صور أقمار اصطناعية لشركة «بلانيت لابز» موقعاً للدبابات تحيط به سواتر ترابية على المسافة نفسها إلى شمال المستشفى.
أما البقايا المعدنية التي جُمعت من مكان الانفجار، فعرضها التحقيق على باحثَين مختصَّين بالأسلحة يعملان لدى مؤسسة «أرمامنت ريسيرش سيرفيسز»، وانتهيا إلى أنها تعود إلى قذيفة دبابة إسرائيلية عيار 120 ملم، من طراز شديد الانفجار أو متعدد الأغراض.
سؤال التناسب أمام مدّعٍ عام
وعُرضت هذه الأدلة على كيفن جون هيلر، الأستاذ بجامعة كوبنهاغن المتخصص في القانون الدولي، فرأى أن بوسع مدّعٍ عام أن يستنتج على نحو معقول وقوع جرائم حرب هنا، من قبيل تعمّد مهاجمة مدنيين وشنّ هجوم لا يراعي التناسب، وبالأخصّ في الضربة الثانية.
وأشار إلى أن المستشفى لم يتلقَّ تحذيراً قبل الضربتين، خلافاً لما يوجبه القانون الدولي الإنساني، ثم وضع سؤال التناسب بين الوسيلة والهدف المعلن: «هل تحتاج حقًا إلى قذيفتي دبابة شديدتي الانفجار لتدمير كاميرا؟».
ويأتي هذا التحقيق بعد نحو عام على الغارة، ليضع أمام القارئ أدلةً تقنية — صوتاً وصورة قمر اصطناعي وشظيةً مفحوصة — بدل الروايتين المتقابلتين وحدهما.