حصار المحتوى وتزييف المصطلحات.. كيف تُصنع الإبادة الإعلامية في غزة؟
فرانشيسكا ألبانيزي تفضح في تقرير من 37 صفحة تحيز وسائل إعلام غربية ومنصات كبرى عبر تزييف المصطلحات وحجب الرواية الفلسطينية.

كشفت 37 صفحة تفاصيل الإبادة الإعلامية في قطاع غزة خلال الحرب الدامية التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على غزة للعام الرابع على التوالي، في حين شاركت بتلك الإبادة وسائل إعلام ومنصات كبرى، بصور عدة كان تبرير الجرائم الإسرائيلية ودس الأكاذيب أبرز مهامهم.
وتقوم الإبادة الإعلامية على عدة أشكال، أهمها قتل الصحفيين الفلسطينيين وتدمير وسائل توثيقهم، ونشر التحريض وإنكار الإبادة عبر السلطات الإسرائيلية وبعض وسائل الإعلام الإسرائيلية، ثم إعادة إنتاج روايات تحجب الجرائم أو تبررها بواسطة وسائل إعلام غربية ومنصات رقمية.
وكشف المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيزي في تقرير بعنوان: الإبادة الإعلامية في غزة، أن وسائل إعلام غربية وإسرائيلية وشركات تكنولوجيا كبرى بالمساهمة في "الإبادة الإعلامية" في قطاع غزة عبر تبرير الجرائم الإسرائيلية أو التعتيم عليها، والتضييق على الرواية الفلسطينية، وإتاحة المجال لخطابات التحريض والدعاية، فضلا عن التغيير غير الموضوعي في استخدام المصطلحات الأمر الذي كان كفيلا في تحريف الحقيقة في كثير من المواضيع.
مصطلحات تبرر الإبادة
وسلّط التقرير الضوء على عدة وسائل إعلام كان أبرزها: شبكة "سي إن إن" الأمريكية، وقناة "زد دي إف" الألمانية، وصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، وهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي".
وبدءا من مصطلحات نيويورك تايمز، ففي الفترة بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأغسطس/آب 2025، استخدمت تعبير "الدروع البشرية" المرتبط بحركة حماس 176 مرة، مقابل 81 مرة في تغطية "بي بي سي".
كما استخدمت "بي بي سي" صياغات تحجب المسؤولية عن قتل الفلسطينيين في 83% من العناوين الرئيسية التي شملها التحليل، مقابل 65% لدى "نيويورك تايمز".
وأما عن قناة "زد دي إف" الألمانية، وجدت أن 90.7% من استخداماتها لوصف "الوحشية" ارتبطت بضحايا إسرائيليين، دون استخدام الوصف نفسه في سياق الهجمات على الفلسطينيين.
وفي نيويورك تايمز، كانت التعليمات التحريرية صارمة في تجنب استخدام مصطلحات "الإبادة الجماعية" و"التطهير العرقي" و"الأراضي المحتلة"، وتوخي الحذر الشديد عند استخدام كلمة "فلسطين".
واعتمدت تلك الوسائل على وصف المستوطنات الإسرائيلية بأنها "بؤر استيطانية غير قانونية"، بما قد يوحي بأن المستوطنات المرخصة إسرائيليا قانونية، مع أن القانون الدولي لا يقر شرعية الاستيطان في الأراضي المحتلة، فضلا عن إعادة بث مزاعم إسرائيلية غير مثبتة بشأن ما تصفه "فظائع" ارتكبتها المقاومة خلال تلك الهجمات.
منصات تحاصر المحتوى الفلسطيني
ولم تكن المنصات الرقمية أفضل حالاً من وسائل الإعلام المذكورة، بل إن شركات شركات "ميتا" و"ألفابت" المالكة لغوغل، ومنصة "إكس" و"تيك توك"، اتبعت سياسات غير متكافئة تجاه المحتوى الفلسطيني والإسرائيلي، عبر استخدام حذف المنشورات وتعليق الحسابات وتقليل انتشار المحتوى و"الحظر الخفي" في التضييق على الأصوات الفلسطينية.
وامتثلت "ميتا" لطلبات إزالة أو تقييد محتوى تتعلق بإسرائيل أو بفلسطين بنسبة بلغت نحو 94%، بينما أظهرت بيانات "تيك توك" معدل امتثال بلغ 99.2% لطلبات إسرائيلية، فيما عملت على حذف أو تقييد نحو 38.8 مليون منشور على فيسبوك وإنستغرام منذ أواخر عام 2023، في مقابل انخفاض التفاعل مع مؤسسات إخبارية فلسطينية بنسبة 77%.
وواصلت قبول استمرار تداول محتويات إسرائيلية تتضمن التحريض أو تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم، مثل منشورات لقناة "14" الإسرائيلية، ومقاطع نشرها جنود إسرائيليون تظهر انتهاكات بحق الفلسطينيين.
دعوات للمساءلة
وفي خلاصة التقرير، طالبت ألبانيزي الجمعية العامة بإنشاء آلية مستقلة لجمع الأدلة وحفظها، وضمان دخول الصحفيين الدوليين إلى غزة، والتحقيق في الهجمات التي استهدفت الصحفيين الفلسطينيين.
كما دعت الدول إلى مراجعة التمويل العام والشراكات مع المؤسسات الإعلامية والمنصات التي تنشر الكراهية أو التحريض، وحثت المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية على التحقيق في التحريض المباشر والعلني على الإبادة الجماعية من جانب مسؤولين وشخصيات إعلامية.
ويجدر الإشارة إلى أنه على مدار 3 سنوات من الإبادة الجماعية في قطاع غزة، قتلت إسرائيل 263 إعلاميا، فيما أصيب واعتقل ونزح مئات آخرون، ودمرت غالبية المكاتب والمؤسسات الإعلامية في القطاع.