من "عصا السنوار" إلى "روح الساموراي".. كيف خلدت لحظة الاشتباك الأخيرة رمزية القائد؟
تحول مشهد اشتباك يحيى السنوار في رفح إلى أيقونة عالمية، وولد مصطلحات لغوية جديدة مثل السَّنْورة تعبر عن الجهاد وبذل أقصى الجهد.

بعد مرور عامين على رحيله، لم يكن المشهد الأخير لاستشهاد القائد يحيى السنوار، وهو مشتبكٌ حتى رمقه الأخير فوق الأرض لا تحتها حدثًا عابرًا، بل تحول إلى لحظة فارقة استلهمها الكتاب والنقاد حول العالم، وأضحت تفاصيل اشتباكه وعصاه إلى رمز احتفت بشجاعته شعوب عبر القارات ومختلف اللغات.
وفي 16 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، خاض رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) يحيى السنوار قبل استشهاده اشتباكات مع قوات الاحتلال في حي السلطان بمدينة رفح جنوبي قطاع غزة.
ووفق الرواية الإسرائيلية، بادرت قوات الاحتلال للاشتباك مع مقاومين دون أن تتمكن من تحديد هوياتهم، في حين لجأ أحدهم -تبين لاحقاً أنه السنوار- بمفرده إلى أحد المباني، قبل أن تمسح طائرة مسيّرة إسرائيلية المنطقة.
وظهر السنوار في المقطع وهو جالس على كرسي وملثم بالكوفية وقد أصيبت يده اليمنى ومع ذلك حمل عصا ورماها على طائرة الدرون الإسرائيلية التي أرسلت لتصويره، وتحول هذا المشهد لأيقونة بين رواد العالم الافتراضي حول العالم.
وربطه كثيرون بالمشهد الأخير من فيلم عمر المختار، وكيف تجلت عبقرية المخرج العالمي مصطفى العقاد، حينما أعُدم شيخ المجاهدين سقطت نظارته، ثم صعد طفل إلى منصة الإعدام والتقطها، وهنا كانت رسالة العقاد أن المقاومة فكرة لا تموت بموت قادتها وأن ثمة أجيال ستأتي لتحمل الراية.
موجز تاريخ العصا ورمزية "التخصر"
في قراءة تحليلية، تناول عبد القدوس الهاشمي هو كاتب وباحث ومترجم عربي، متخصص في الفلسفة والأديان، ومهتم بالتراث الإسلامي والقضايا الفكرية والسياسية. الرمزية الأمنية والسياسية والنضالية المكثفة للعصا التي ألقاها السنوار قبل ارتقائه، مؤكدًا أنها اختزلت فلسفة مواجهة واستفراغ الجهد حتى الأنفاس الأخيرة.
يوضح الهاشمي أن المشهد الذي بثه الاحتلال أثبت أن السنوار كان يخوض اشتباكه الميداني في خطوط المواجهة الأولى فوق الأرض، مما أسقط الرواية الإسرائيلية والغربية التي زعمت تواريه في الأنفاق أو بين المدنيين، وكشف حدود القدرات الاستخباراتية للعدو التي أخفقت في الوصول إليه طوال عام كامل حتى جاء ارتقاؤه بمصادفة ميدانية.
ويرى الهاشمي أن العصا تحولت من مجرد أداة يحملها جريح إلى رمزية جماعية تُستعاد معها مفاهيم الفداء.
"السنورة".. ولادة جذر لغوي جديد
ورصد الشيخ أحمد البان مدون متخصص في الدراسات المصطلحية والنقدية، الأثر اللغوي والاجتماعي العميق للحظة الاستشهاد، مشيرًا إلى أن اسم السنوار تجاوز كونه "علمًا مرتجلًا" في المعاجم ليتحول إلى جذر لغوي جديد يشتق منه الفعل والمصدر، لتعبير عن حالة ثورية متكاملة.
ويشير إلى أن البطولة المتجسدة أنتجت مصطلحات مثل "السَّنْورة" (الحالة الثورية والإيمان بالذات والجسارة)، و"تَسَنْوَر" (تمثل قيم السنوار في الفداء والتكوين الدقيق).
ويلفت البان إلى دخول مصطلح "عصا السنوار" في التداول الشعبي كمثَل يُضرب لمن يبذل أقصى ما في وسعه وطاقته للخدمة أو الدفاع عن الحق، فيقال: "هذه عصا السنوار"، أي هذا غاية الجهد ومبلغ الوسع.
أسطورة يحيى السنوار تتجاوز التاريخ !
على الصعيد التاريخي، يقول محمود الرحبي روائي وقاص عماني إن أسطورة السنوار تفوق أساطير النضال عبر التاريخ، مثل غيفارا وهوشي منه وأحمد بن بلا، وهم أكثر الرموز التي تُستحضَر في سياق التمثّل بقصص النضال والتحرّر، ولكنّ الفرق أنّهم كانوا مدعومين من المعسكر الاشتراكي، بينما السنوار والمقاومون عاشوا في حصار مُطبِق إلى جانب الإنكار الرسمي العربي لهم، باستثناء الشعور الشعبي العربي الذي لا يملك من حيلة غير الدعاء ومقاطعة السلع الداعمة للكيان الإسرائيلي.
ويرى الرحبي، أن السنوار قدم صورةً ناصعةً، حتّى في عملية إطلاق سراح المدنيين. وكان ضمن الذين أطلق سراحهم كلبة تحملها فتاة. لقيت تلك الكلبة معاملةً نفسيةً وغذائيةً من المقاومين الفلسطينيين، في الوقت الذي كانت مستشفيات غزّة تُرمَى بأعتى أنواع القنابل والقاذفات".
ويرى الرحبي، أن السنوار اختار أيضًا لحظةَ استشهاده في الشهر نفسه الذي نفّذ فيه ملحمة "طوفان الأقصى". أراد لروحه أن تحلّق في وسط المعركة في الأرض وفي مواجهةٍ مباشرةٍ مع عدوّه القوي بأسلحته وتقنياته.
وأضاف الكاتب، "كان في الحقيقة أعزلَ قياسًا إلى العتاد الكبير للمحتلّ، فلم يكن بحوزته سوى رشَّاشٍ وفي جيبه قنابلُ يدويةٌ، شيء لا يُقارَن في لحظة الهجوم بالترسانة التي يواجهها".
مردفًا، "أراد إذاً أن تخرج روحه في هذه الهيئة من البطولة التي سيحترمها حتّى أعداؤه رغماً عنهم، وقد كانوا يروّجون اختباءه وابتعاده وهروبه من المواجهة".
"الساموراي" الذي قاتل إسرائيل
ولم يقتصر التأثر بخلود المشهد على المنطقة العربية، بل امتد إلى الوجدان الجمعي الياباني، حيث شبه العديد من المغردين والناشطين اليابانيين مواجهة السنوار بقيم "البوشيدو" (فروسية الساموراي القدامى) القائمة على الشرف والتضحية.
وكتب الناشط الياباني ثوتون أكميتو، في نعي السنوار، قبل عامين، "لقد قاتل السنوار بشجاعة مثل محارب الساموراي للدفاع عن غزة التي تشبه هيروشيما.. ووفقًا لتعاليم البوشيدو، فإن الطريقة التي يموت بها الساموراي خلال القتال تُعد شرفًا له".
ونشرت مجلة اليابان (Japan Magazine): عبر حسابها صورة للساموراي معلقةً بأن السنوار أضحى "رمزًا لشرف الساموراي الحقيقي"، وقالت إن شرف الساموراي لا يكمن في مجرد الموت في المعركة، بل في التضحية بحياته من أجل الحق.. لقد ضحى السيد السنوار بحياته من أجل قضية فلسطين، ونحن اليابانيين نعجب بأولئك الذين يموتون وهم يقاتلون من أجل الحق حتى النهاية. إنه ساموراي حقيقي".
تجمعت هذه الرؤى لتؤكد أن اللحظة الأخيرة للسنوار بصمتها وعصاها واشتباكها لم تكن خاتمة للمواجهة فحسب، بل تحولت إلى قهر لمحتل ظن أنه صنع "صورة نصر"، ورمزية نضالية ولغوية وإنسانية عابرة للحدود والثقافات، تحفظها الأجيال وترددها الشعوب بكل فخر!.